محمد الأمين الأرمي العلوي

16

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

إلى أهل مدين وإلى من اتصل بهم إلى ساحل البحر ، وأن حال الفريقين في الكفر والمعاصي كانت واحدة ، وكان ينذرهم متنقلا بينهم ، وكان عذاب مدين بالصيحة والرجفة المصاحبة لها ، وعذاب أصحاب الأيكة بالسموم والحر الشديد ، وقد انتهى ذلك بظلة من السحاب ، فزعوا إليها يتبردون بظلها ، فأطلقت عليهم فاختنقوا بها أجمعون . الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ؛ أي : استؤصلوا بالمرة ، وصاروا كأنّهم لم يقيموا في قريتهم أصلا ؛ أي : عوقبوا بقولهم : لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا . وصاروا هم المخرجين من القرية إخراجا لا دخول بعده أبدا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ دينا ودنيا دون الذين اتبعوه ؛ فإنّهم الرابحون في الدارين . وعبارة « المراغي » هنا : قوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الآية . جاءت هذه الجملة بيانا من اللّه لما انتهى إليه أمرهم ، وكيف كان عاقبة عملهم ، فكأنّ سائلا سأل عما آل إليه تهديدهم لشعيب وقومه بقولهم : لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا وقولهم لقومهم : لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ فأجاب عن الأول جوابا مناقضا له بقوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً . . . إلخ ؛ أي : الذين كذبوا شعيبا وأنذروه بالإخراج من قريتهم قد هلكوا وهلكت قريتهم ، فحرموها كأن لم يقيموا فيها ، ولم يعيشوا فيها بحال ، وأجاب عن الثاني : بقوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ ؛ أي : الذين كذبوا وزعموا أنّ من يتبعه يكون خاسرا ، كانوا هم الخاسرين لما كانوا موعودين به من سعادة الدنيا والآخرة ، دون الذين اتبعوه ؛ فإنّهم كانوا هم الفائزين المفلحين . وفي الآية « 1 » إيماء إلى أنّ الحريص على التمتع بالوطن والاستبداد فيه على أهل الحق ، تكون عاقبته الحرمان الأبدي منه ، كما أنّ الحريص على الربح ، بأكل أموال الناس بالباطل ، ينتهي بالحرمان منه ومن غيره .

--> ( 1 ) المراغي .